ألقت سعادة السفيرة ميشيل بورك بو، رئيسة مكتب تمثيل منظمة مالطا ذات السيادة لدى دولة فلسطين ورئيسة مؤسسة صندوق مستشفى العائلة المقدسة بيت لحم، الكلمة الرئيسية في “اليوم الخامس للتكوين المالطي” الذي عُقد في مدينة بولونيا الإيطالية بتاريخ 11 أبريل 2026، بتنظيم من بعثة إميليا رومانيا الشرقية التابعة للجمعية الإيطالية لمنظمة مالطا.
وفي خطاب وجهته إلى حشد من الفرسان والسيدات والمتطوعين، قدمت السفيرة عرضاً واقعياً وصريحاً للأوضاع الراهنة في بيت لحم، واستعرضت الدور الحيوي الذي يضطلع به مستشفى المنظمة الرائد، الذي وصفته بأنه “مصدر فخر لجميع أعضاء منظمة مالطا”. كما ربطت السفيرة في حديثها بين مستشفى العائلة المقدسة، الذي لا يبعد سوى 1500 خطوة عن المهد الذي شهد ميلاد السيد المسيح، وبين الجذور الاستشفائية التي أرساها الطوباوي جيرارد قبل تسعة قرون في القدس.
مستشفى لكل عضو في المنظمة
أشارت السفيرة ميشيل بورك بو إلى أن مستشفى العائلة المقدسة، الذي أعاد افتتاحه الأمير والرئيس الأسبق فرا أندرو بيرتي عام 1990 بناءً على رغبة البابا القديس يوحنا بولس الثاني ليصبح مستشفىً متخصصاً في النسائية والتوليد والأطفال، يعد المنشأة الطبية الوحيدة المملوكة مباشرة للرئاسة الكبرى للمنظمة. فهو لا يتبع لجمعية وطنية بعينها، بل “ينتمي إلى كل فرد من أعضاء منظمة مالطا”.
ومنذ عام 1990، شهد المستشفى أكثر من 112,000 حالة ولادة، وهو يخدم منطقة جغرافية يقطنها أكثر من مليون نسمة دون تمييز ديني. كما يدار المستشفى بطاقم طبي فلسطيني بالكامل تحت إشراف مدير تنفيذي فرنسي (بإجمالي 220 موظفاً، تشكل النساء 71% منهم، بينما يمثل اللاجئون 21%، وهو ما يعكس تركيبة المرضى الذين يشكل اللاجئون نصفهم). ويضم المستشفى الوحدة الوحيدة من المستوى الثالث للعناية المركزة لحديثي الولادة (NICU) في المنطقة، وهي وحدة قادرة على إنقاذ الأجنة المولودين قبل الأسبوع الرابع والثلاثين من الحمل.
وفي الأوضاع الطبيعية، يجري المستشفى قرابة 4000 حالة ولادة سنوياً، ويقدم أكثر من 150,000 خدمة طبية للأمهات والمواليد والأطفال. كما تجوب عيادته الطبية المتنقلة التجمعات البدوية والقروية المعزولة يومياً، وتدعم عياداته المجانية المتخصصة في سكري الحمل وسن الأمان للنساء، وقد تكون الوحيدة من نوعها في فلسطين، النساء في مختلف مراحل حياتهن. وتدعم المنظمة عيادات ما قبل الولادة وما بعدها وطب الأطفال بنسبة 85%، بعد أن كانت نسبة المساهمة السابقة (50%) عبئاً لا يطاق على العائلات التي باتت تُفاضل بين تكلفة الزيارة الطبية وتوفير قوتها اليومي.
شهادة صمود في أوقات استثنائية
تحدثت السفيرة ميشيل بورك بو بلهجة ملؤها الأسى عن الظروف القاسية التي تلت التصعيد الأخير في أكتوبر 2023؛ حيث ارتفعت حالات الدخول إلى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة بنسبة 33%، وزادت معدلات الولادة المبكرة والأطفال ناقصي الوزن بشكل حاد. واستجابة لذلك، فعّل المستشفى بروتوكولات الطوارئ التي تشمل نوبات عمل لمدة 12 ساعة، وتأمين مخزون من الأدوية والمستهلكات الطبية يكفي لثلاثة أشهر، وتخزين 750 متراً مكعباً من المياه، ووقود للمولدات يكفي لـ 12 يوماً.
كما يقوم “برنامج الحد من الفقر” التابع للمؤسسة، وبالتعاون مع الرعية الكاثوليكية في بيت لحم، بتوزيع قسائم غذائية ودوائية وكهربائية على أكثر من 2,250 فرداً شهرياً، بالإضافة إلى دعم مستقبل المجتمع المحلي عبر تقديم 19 منحة دراسية في التمريض والقبالة و7 منح لدراسة الطب.
واستشهاداً بأقوال البابا ليون الرابع عشر والبطريرك اللاتيني في القدس، وضعت السفيرة شهادتها في سياق نداء الاستغاثة من أجل بقاء الوجود المسيحي في الأرض المقدسة. وأكدت أن المستشفى، الذي يعمل بميزانية تقارب ستة ملايين دولار سنوياً، وهو ما يعادل تكلفة رعاية 12 طفلاً فقط في وحدات العناية المركزة الأمريكية، يضمن “أن يحظى الطفل المولود في بيت لحم الفقيرة بذات فرص الحياة التي يحظى بها طفل مولود في سانتا مونيكا الثرية”.
أهمية بولونيا في مسار التواصل الدبلوماسي
تأتي كلمة بولونيا ضمن سلسلة من الفعاليات العامة الممنهجة التي يسعى من خلالها المكتب التمثيلي في رام الله إلى تفعيل جوهر تفويضه: وهو ابراز دور وعمل منظمة مالطا في فلسطين وجعله مرئياً وذا مصداقية ومحل دعم داخل مجتمع المنظمة والكنيسة الكاثوليكية والأوساط المانحة. إن لقاء وكل خطاب للسفيرة ميشيل بورك بو، سواء في ندوة رئاسية، أو اجتماع جمعية، أو مؤتمر للأساقفة الأوروبيين، أو منتدى أكاديمي، هو “فعل من أفعال الدبلوماسية الإنسانية”؛ فهو يحول المعرفة الميدانية المباشرة إلى تضامن واعٍ، وإلى دعوات للتطوع، وتبرعات تُبقي أبواب أقسام المستشفى مشرعة، وتدعم عيادة مار يوسف في مدينة غزة والعيادة الطبية المتنقلة في الضفة الغربية.
وفي هذا الإطار، كان “يوم التكوين” في إميليا رومانيا الشرقية محطة طبيعية وهامة، كونه موجهاً إلى أولئك الذين يُعدون، بحكم رسالتهم الخيرية، أقرب المتعاونين مع مهمة السفيرة. إن هذا التدخل يعزز الجسر الرابط بين السفارة في رام الله، والجمعية الإيطالية للمنظمة، ومؤسسة مستشفى العائلة المقدسة، والشبكة العالمية من الجمعيات والمحسنين الذين يجعلون التزام المنظمة تجاه فلسطين أمراً ممكناً.
تطلعات مستقبلية
ستواصل السفارة هذا الجدول من العلاقات خلال عامي 2026 و2027، بالتنسيق الوثيق مع الجمعية الإيطالية والجمعيات الوطنية في أوروبا وأمريكا الشمالية، وبطريركية القدس للاتين، مع تركيز خاص على بيت لحم وغزة وبرامج التعاون المشترك مع الوكالة الفلسطينية للتعاون الدولي (PICA).
وختمت السفيرة ميشيل بورك بو كلمتها في بولونيا بقولها: “بعطفكم على المدينة التي عُرفت بمهد الرجاء، فإنكم تساعدون الرجاء نفسه على أن يُولد من جديد“.